تجاوز إلى المحتوى
منصة علمية · قراءة واستماع ومشاهدةالمكتبة العلمية
الموقع الرسمي لأبي زكريا بشير الجعشني
علمٌ يُقرأ، ويُسمع، ويُشاهد
تواصل مع إدارة الموقع

اسأل سؤالًا

اكتب سؤالك بوضوح؛ سيصل إلى صندوق خاص لمراجعته من إدارة الموقع.

بياناتك وسؤالك خاصان بالإدارة، ولا يُنشران تلقائيًا. اترك بريدك إن رغبت في إمكانية التواصل معك.

المكتبة العلمية

فقهُ الأضاحي، والعيدِ.

٤ فتح لصفحة المادة

فقهُ-الأضاحي

قراءة النص

اضبط العرض بما يناسبك
حجم الخط100٪
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران: 102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [سورة النساء: 1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) [سورة الأحزاب: 70-71]. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، حَيْثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ -كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى قَوْمًا يَلْعَبُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَانِ اللَّذَانِ تَصْنَعُونَ؟» أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا؛ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ»، رواه أبو داود (1134) والنسائي (1556) عن أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه. فَهَذَا عِيدٌ يَفْرَحُ بِهِ الْعَبْدُ بِمَا أَكْرَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَبْدَهُ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سِيَّمَا وَأَنَّ هَذَا الْعِيدَ بَعْدَ رُكْنٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ رُكْنُ الصِّيَامِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»، رواه البخاري (1904) ومسلم (1151) عن أبي هريرة رضي الله عنه. فَعِنْدَ إِتْمَامِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس: 58]. إِنَّ هَذَا الْفَرَحَ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ فَرَحٌ شَرْعِيٌّ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نُظْهِرَهُ، أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نُعْلِنَهُ، أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَجْتَمِعَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُظْهَرُ فِيهِ مِنَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْنَا؛ لَهِيَ نِعْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان: 20]، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: 3]، فَسَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِسْلَامَ نِعْمَةً فَهُوَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. وَمِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، كَمْ مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا مَعَنَا قَبْلَ زَمَنٍ قَصِيرٍ فَتَخَطَّفَهُمُ الْمَوْتُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا بِإِطَالَةٍ فِي الْأَعْمَارِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا بِالتَّنَعُّمِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا بِإِكْمَالِ عِدَّةِ رَمَضَانَ، بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجِيرَانِ، وَهَذِهِ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا تُجَاهَ هَذِهِ النِّعَمِ أَنْ نَشْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ التَّجَمُّعَاتِ الْعَظِيمَةِ حَسَدَنَا عَلَيْهَا أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ رَمَوْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، رَمَوْنَا بِنِشَابٍ وَاحِدَةٍ، رَمَوْنَا بِسَهْمٍ وَاحِدٍ لِمَا رَأَوْا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَاتُفِ وَالتَّعَاوُدِ وَالِاجْتِمَاعِ حَوْلَ مُقَدَّسَاتِهِمْ وَحَوْلَ شَعَائِرِهِمُ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَيْفَ رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ يُعَظِّمُونَ هَذِهِ الشَّعَائِرَ؟ فَحَسَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْنَا الْحِفَاظَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ. لِذَلِكَ فَإِنَّنَا مَتَى مَا تَفَرَّقْنَا، مَتَى مَا تَشَتَّتْنَا، مَتَى مَا اخْتَلَفْنَا، مَتَى مَا تَبَاعَدْنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ سَبِيلٌ مِنَ السُّبُلِ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْنَا بِهَا أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»، رواه أبو داود (4297) عن ثوبان رضي الله عنه. كَمْ مِنْ أُنَاسٍ الْيَوْمَ يُؤْثِرُونَ الدُّنْيَا عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، يُؤْثِرُونَ الدُّنْيَا الزَّائِلَةَ عَلَى مَا هُوَ بَاقٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [سورة الكهف: 46]. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ عِبَادَ اللَّهِ، يَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نُظْهِرَ التَّعَاطُفَ وَالتَّكَاتُفَ فِيمَا بَيْنَنَا، لِأَنَّنَا أُمَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَالْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، رواه البخاري (6011) ومسلم (2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: 10]، وَإِذَا حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَقَاتُلٌ فَلَنْ يَرْتَضِيَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّصَالُحِ، أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ حِرْصًا عَلَى الْفِئَةِ الْأُخْرَى الَّتِي لَا تَبْغِي، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحجرات: 9]. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بُعِثَ وَجَدَ أُمَّةً مُتَنَاحِرَةً يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنْهَا الضَّعِيفَ، بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَقَالَ: كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ؛ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، عَلَى رَسُولٍ وَاحِدٍ، عَلَى كِتَابٍ وَاحِدٍ، عَلَى عِبَادَةٍ يَجْمَعُهَا دِينُ الْإِسْلَامِ. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [سورة آل عمران: 103]. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، مَا دَامَ وَأَنَّنَا إِخْوَةٌ فِيمَا بَيْنَنَا، عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَمِعَ، عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَلِفَ، عَلَيْنَا أَنْ نُوَحِّدَ صُفُوفَنَا لِمَا نَرَى مِنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ كَيْفَ يَفْتِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ، لَمَّا أَنْ تَفَرَّقُوا، لَمَّا انْتَشَرَمُوا، صَارُوا فِرَقًا وَأَحْزَابًا، صَارُوا مُتَشَتِّتِينَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ حَرَصُوا أَعْظَمَ وَأَعْظَمَ عَلَى تَفْرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يَسْتَطِيعُونَ التَّسَلُّطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [سورة الأنفال: 46]، أَيْ تَذْهَبَ قُوَّتُكُمْ، تَذْهَبَ عَظَمَتُكُمْ، تَذْهَبَ هَيْبَتُكُمْ. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، نَحْنُ إِخْوَةٌ مُتَآلِفُونَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَزِيدَ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، عَلَيْنَا أَنْ نَزِيدَ مِنَ التَّعَاطُفِ، عَلَيْنَا أَنْ نَزِيدَ مِنَ التَّكَاتُفِ. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَخْتِمُ بِهَذَا الْأَمْرِ: إِنَّنَا فِي بَلَدٍ آمِنٍ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْنَا، كَمْ مِنَ الشُّعُوبِ حُرِمُوا مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْفَظَ هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى دِينِ اللَّهِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النحل: 112]. وَلِذَلِكَ يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ [سورة قريش: 1-4]. مَا دَامَ نَحْنُ فِي هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَجَبَ عَلَيْنَا شُكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا، وَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِلشُّعُوبِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَجْمَعَ مَهْمَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، فَلَا يَزَالُ يَجْمَعُنَا الْإِسْلَامُ، مَا دَامَ يَجْمَعُنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا دَامَ يَجْمَعُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ نَبِيُّنَا، وَيَجْمَعُنَا كِتَابٌ وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ، فَلَنَدْعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَفِي غَرْبِهَا، مَنْ عَرَفْنَا مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْ، فَلَنَدْعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ، هَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْنَا لَهُمْ أَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ. اللَّهُمَّ أَعِزِّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَعْدَائِكَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ يَوْمًا أَسْوَدَا، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ فَرَّقُوا جَمْعَ الْمُسْلِمِينَ فَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، اللَّهُمَّ وَإِنَّهُمْ قَدْ يَتَّمُوا أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فَيَتِّمْ أَطْفَالَهُمْ، اللَّهُمَّ وَإِنَّهُمْ قَدْ رَمَّلُوا نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَرَمِّلْ نِسَاءَهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَحْرِقْ عَلَيْهِمُ الدِّيَارَ، اللَّهُمَّ أَحْرِقْ عَلَيْهِمُ الدِّيَارَ، اللَّهُمَّ وَأَحْرِقْ عَلَيْهِمُ الدِّيَارَ، وَاهْدِمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ يَا عَزِيزُ يَا جَبَّارُ، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ، يَا كَرِيمُ يَا عَزِيزُ، يَا جَبَّارُ، يَا مُنْتَقِمُ، اللَّهُمَّ انْتَقِمْ مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ لَا تُحَقِّقْ لَهُمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ غَايَةً، وَلَا تَرْفَعْ لَهُمْ فِيهَا رَايَةً، وَاجْعَلْهُمْ لِمَنْ خَلْفَهُمْ عِبْرَةً وَعِظَةً وَآيَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهُمْ وَمَا يَمْلِكُونَ غَنِيمَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ وَفِي سَائِرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، مَنْ عَرَفْنَا مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، اللَّهُمَّ وَأَيِّدْهُمْ بِجُنْدٍ مِنْ جُنُودِكَ، اللَّهُمَّ وَكُنْ لَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْهِمْ، وَانْصُرْهُمْ وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، اللَّهُمَّ وَآنِسْ خَائِفَهُمْ، وَأَشْبِعْ جَائِعَهُمْ، وَاكْسُ عَارِيَهُمْ، وَعَافِ مُبْتَلَاهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ، وَتَقَبَّلِ اللَّهُمَّ شُهَدَاءَهُمْ عِنْدَكَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ وَاجْمَعْ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، اللَّهُمَّ وَأَلْفِ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَأَلْفِ بَيْنَهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ وَاجْمَعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ بِلَادَنَا هَذِهِ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً سَخَاءً رَخَاءً، اللَّهُمَّ وَأَنْعِمْ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ وَأَنْعِمْ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ وَأَنْعِمْ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ وَمَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا أَوْ سَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ وَاجْعَلْ تَدْمِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، تَقَبَّلِ اللَّهُمَّ مِنَّا وَمِنْكُمْ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ لِلْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَعِيدُكُمْ مُبَارَكٌ وَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.