من أعظم أسباب النصر والتمكين ... لعباد الله المؤمنين
قراءة النص
اضبط العرض بما يناسبكإنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
> { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آل عمران: 102).
> { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (النساء: 1).
> { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } (الأحزاب: 70-71).
>
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ النَّاظِرَ فِي حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَالْمُتَأَمِّلَ فِي ذَلِكَ، لَيَتَأَلَّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَجِدُ فِيهِمْ مِنَ الضَّعْفِ، وَلِمَا يَجِدُ مِنْ تَسَلُّطِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَجِدُ حَالَ قَائِلِهِمْ يَقُولُ: إِمَّا بِلِسَانِ الْحَالِ وَإِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ! وَلَكِنْ؛ مَا هِيَ الْأَسْبَابُ أَوِ الْوَسَائِلُ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا إِنْ نَحْنُ تَمَسَّكْنَا بِهَا أَعَزَّنَا اللَّهُ وَنَصَرَنَا اللَّهُ بِهَا، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ وَالْوَسَائِلَ كَثِيرَةٌ؟
أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَسَائِلِ؛ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ، لُزُومُ طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَرِيقَةِ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالسَّيْرُ عَلَى مَنْ سَارَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَوَعَّدَ بِالنَّصْرِ لِهَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، لِلَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ وَلِلَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِهِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
> { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (غافر: 51).
>
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا وَاعِدًا عِبَادَهُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا }، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } (النساء: 122)، وَيَقُولُ جَلَّ وَعَلَا عَنْ نَفْسِهِ: { وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ } (الروم: 6)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } (آل عمران: 9). فَكَانَ وَعْدُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ أَنْ قَالَ:
> { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور: 55).
>
فَوَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَيِ الَّذِينَ لَزِمُوا هَذَا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، إِنْ هُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ وَلَزِمُوا هَذَا الطَّرِيقَ وَعَبَدُوهُ جَلَّ وَعَلَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَفْرَدُوهُ جَلَّ وَعَلَا بِالْعُبُودِيَّةِ، فَلَمْ يَعْبُدُوا مَعَهُ أَحَدًا لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
> "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ"، مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ، مِنَ الطَّوَائِفِ الضَّالَّةِ، وَمِنَ الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنَ الْمِلَلِ الَّتِي تَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ أَوْ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ، وَهِيَ إِنَّمَا هِيَ خِنْجَرٌ مَسْمُومٌ يَطْعُنُ فِي ظَهْرِ الْإِسْلَامِ وَفِي ظَهْرِ الْمُسْلِمِينَ.
>
أَلَا وَإِنَّ مِنْ وَسَائِلِ النَّصْرِ الَّتِي إِنْ نَحْنُ تَمَسَّكْنَا بِهَا وَلَزِمْنَاهَا لَهُوَ اتِّبَاعُ طَرِيقِ الْحَقِّ، لُزُومُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ نَحْنُ لَزِمْنَا هَذَا الطَّرِيقَ وَتَمَسَّكْنَا بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَاصِرُنَا. انْظُرْ مَاذَا يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، يَقُولُ: { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (الأنبياء: 10)، أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ هَذَا الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ إِنْ أَنْتُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ وَلَزِمْتُمُوهُ وَتَمَسَّكْتُمْ بِهِ وَاتَّبَعْتُمْ هَدْيَهُ، وَكَذَلِكَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، هُمَا أَتَيَا مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، أَلَا وَإِنَّهُمَا وَحْيُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ:
> { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } (الأنبياء: 10) أَيْ فِيهِ عِزُّكُمْ وَتَمْكِينُكُمْ وَقُوَّتُكُمْ وَسُؤْدَدُكُمْ مَا دَامَ وَأَنْتُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِهِ.
>
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ نَحْنُ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَذَلَّنَا اللَّهُ. وَهَكَذَا قُلْ نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ نَحْنُ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَذَلَّنَا اللَّهُ، إِنِ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِالْجَاهِ، إِنِ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِالنَّسَبِ، إِنِ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِالْمَالِ، إِنِ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِالسِّلَاحِ، إِنِ ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُذِلُنَا، إِلَّا أَنْ نَحْنُ تَمَسَّكْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ عِبَادَهُ بِأَنَّهُ نَاصِرُهُمْ وَمُمَكِّنُهُمْ مَا دَامَ وَأَنْتُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا بُدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِقِتَالِ قِتَالِ الْعَدُوِّ وَمُلَاقَاتِهِ فَبِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } (الأنفال: 60)، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ لِأَنَّ النَّصْرَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } (آل عمران: 126)، { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } (الأنفال: 10). فَلِذَلِكَ فَإِنَّ نَحْنُ أَرَدْنَا الْعِزَّةَ، إِنْ أَرَدْنَا السُّؤْدَدَ، إِنْ أَرَدْنَا التَّمْكِينَ، إِنْ أَرَدْنَا أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَلَيْنَا بِلُزُومِ كِتَابِ اللَّهِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
إِخْوَانِي فِي اللَّهِ؛ أَلَا وَإِنَّ مِنْ وَسَائِلِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ وَالتَّأْيِيدِ لَهُوَ أَنَّنَا نَجْتَمِعُ وَنَتَأَخَى وَنَتَأَالَفُ وَنَتَكَاتَفُ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ كَيْفَ تَآلَفَتْ؟ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ وَ الضَّالَّةِ كَيْفَ تَمَاسَكَتْ وَتَعَاضَدَتْ عَلَى ضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
> { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا } (الحشر: 14) أَيْ فِي حَالِ تَكَالُبِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا حِينَما تَرَاهُمْ يَتَآمَرُونَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا حِينَما يَتَآمَرُونَ عَلَى عِبَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا حِينَما يَتَآمَرُونَ عَلَى هَدْمِ مَعَالِمِ الْإِسْلَامِ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا حِينَما تَرَاهُمْ يُرِيدُونَ اجْتِثَاثَ الْإِسْلَامِ، تَرَاهُمْ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَمَا هُمْ إِلَّا أَصْنَافٌ وَفِرَقٌ شَتَّى مُتَخَالِفِينَ، مُتَخَالِفِينَ فِيمَا بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، مُتَخَالِفِينَ فِي مَطَامِعِهِمْ، مُتَخَالِفِينَ فِي آرَائِهِمْ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ.
>
لَكِنِ الْمُسْلِمُونَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا، أَنْ يَكُونُوا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ وُجِدَتْ طَائِفَةٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ تُحَاوِلُ زَعْزَعَةَ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ فِي حَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى الصُّلْحِ وَإِلَى التَّأَخِي وَالتَّأَالِفِ وَإِلَى أَنْ يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا. قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
> { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات: 9).
>
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلَا بَعْدَ ذَلِكَ:
> { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } (الحجرات: 10)، وَاذْكُرُوا إِلَى انْظُرُوا إِلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، نِعْمَةِ الْأُخُوَّةِ وَالتَّأَخِي؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْأُخُوَّةِ وَالتَّأَخِي يَحْصُلُ التَّآزُرُ وَتَشَادُّ الْأَعْضَادِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } (القصص: 35). قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُمْتَنًّا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } (آل عمران: 103). فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنِعْمَةِ الْأُخُوَّةِ، ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ الْعَظِيمَةِ مَا دَامَ وَأَنَّنَا مُتَأَخِينَ، مَا دَامَ وَأَنَّنَا مُتَأَالِفِينَ، مَا دَامَ وَأَنَّنَا مُتَعَاضِدِينَ، مَا دَامَ وَأَنَّنَا مُتَكَاتِفِينَ، مَا دَامَ وَأَنَّهُ يَجْمَعُنَا دِينٌ وَاحِدٌ، مَا دَامَ وَأَنَّنَا يَجْمَعُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، وَنَبِيٌّ وَاحِدٌ، وَكِتَابٌ وَاحِدٌ، وَمِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَعَلَامَ التَّنَاحُرُ؟ فَعَلَامَ التَّقَاتُلُ؟ فَعَلَامَ مَا يُبْغِضُ أَحَدُنَا أَخَاهُ؟ فَعَلَامَ يَكِيدُ أَحَدُنَا لِأَخِيهِ؟ فَعَلَامَهُ نَحْنُ نُقَلِّدُ طَوَائِفَ الْكَافِرِينَ وَالْمِلَلَ الْكَافِرَةَ فِي الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ؟
>
وَلَلَّذِكَ إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَلَا عِزَّةَ وَلَا سُؤْدَدَ وَلَا نَصْرَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا عَلَى صَفٍّ وَاحِدٍ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
> { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال: 46)، لَا تَتَقَاتَلُوا عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، لَا تَتَقَاتَلُوا عَلَى مَطَامِعِهَا، لَا يَكِيدُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَطَامِعِ الدُّنْيَا، فَتَذْهَبَ قُوَّتُكُمْ يَذْهَبْ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِعِزِّكُمْ وَنَصْرِكُمْ، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (الروم: 31-32)، يَتَقَاتَلُونَ وَيَتَنَاحَرُونَ لِأَجْلِ أَحْزَابِهِمْ، يَتَقَاتَلُونَ لِأَجْلِ الْمَنَاصِبِ، يَتَقَاتَلُونَ لِأَجْلِ السِّيَاسَةِ لَا لِأَجْلِ الدِّينِ، مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّنَا مَا دَامَ وَأَنَّنَا مُتَأَخِّرِينَ يَجْمَعُنَا دِينٌ وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ، مَا دَامَ وَأَنَّهُ يَجْمَعُنَا قَوْلُ اللَّهِ: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } (آل عمران: 103)، بَلْ نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ النَّصْرَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيفُنَا.
>
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ عِبَادَ اللَّهِ؛ أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُوَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا نُسِيءُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَبَدًا، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَخْذُلُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ إِنَّمَا هُوَ أَوْ إِنَّمَا هِيَ بَلْوَى يَبْتَلِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عِبَادَهُ فِي حَالِ أَنَّهُمْ إِذَا تَمَرَّدُوا عَلَيْهِ وَابْتَعَدُوا عَنْهُ، فَيُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَجْلِ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَنَّهُ لَا عِزَّةَ لَهُمْ وَلَا سُؤْدَدَ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } (الروم: 41). وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } (الشورى: 30). وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } (فاطر: 45). وَلِذَلِكَ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } (محمد: 4-6). وَلِذَلِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنُّ بِي مَا شَاءَ"، فَإِذَا ظَنَنْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَاصِرُكَ، إِذَا ظَنَنْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكَ، وَمَعْنَى ظَنَنْتَ أَيْ تَيَقَّنْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَنْصُرُكَ وَسَيُؤَيِّدُكَ وَسَيُمَكِّنُ لَكَ مِنْ رِقَابِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟ فِي حَالِ أَنَّنَا إِذَا نَحْنُ رَجَعْنَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَمَسَّكْنَا بِدِينِنَا.
إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ لَهُوَ أَنَّ الْقِتَالَ وَالْجِهَادَ يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَجْلِ نُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، لَا لِأَجْلِ مَطْمَعٍ مِنْ مَطَامِعِ الدُّنْيَا وَلَا لِأَجْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ بَعْدَ الدِّينِ، فَإِنْ قَاتَلَ يُقَاتِلُ أَوَّلًا لِأَجْلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، لِأَجْلِ حِمَايَةِ الْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لِنُصْرَةِ الدِّينِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْحُقُوقِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِنْ دَوَاعِي الْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِيَكُنِ الْهَمُّ الْأَعْظَمُ هُوَ نُصْرَةَ هَذَا الدِّينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } (محمد: 7). وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (الحج: 39). { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (غافر: 51). فَلْيَكُنْ قِتَالُكَ وَجِهَادُكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ كُنْتَ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ } (البقرة: 249). وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَا دَامَ وَأَنَّهُ يُجَاهِدُ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَاصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ، نَصَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالْعَصَا، ضَرَبَ بِهَا الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِسَفِينَةٍ صَنَعَهَا فِي الْيَابِسَةِ، وَنَصَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَما أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَهُوَ وَحْدَهُ وَقَدْ كُبِّلَ بِالْقُيُودِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَنَجَّاهُ، وَكَذَلِكَ نَصَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لُوطًا حِينَما اجْتَمَعَ قَوْمُهُ عَلَى فِعْلِ الْفَاحِشَةِ بِضَيْفِهِ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَصَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ لِلْقِتَالِ، إِنَّمَا خَرَجَ لِأَجْلِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْقَافِلَةِ الَّتِي كَانَتْ هِيَ أَصْلًا لَهُمْ الَّتِي أَخَذَتْهَا قُرَيْشٌ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا فَخَرَجَ مَعَهُ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ خَرَجُوا بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ وَبِاسْتِعْدَادٍ تَامٍّ لِلْقِتَالِ وَهُمْ مِنَ التِّسْعمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فَنَصَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ وَمَكَّنَهُ مِنْ رِقَابِ أَعْدَائِهِ، وَلِذَلِكَ مَا دَامَ وَأَنْتَ تُقَاتِلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ نَصِيرُكَ.
أَخِي فِي اللَّهِ؛ أَلَا وَإِنَّ مِنْ وَسَائِلِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ وَبِهِ أَخْتِمُ هَذَا الْمَقَامَ، لَهُوَ اللُّجُوءُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْهِ، وَالدُّعَاءُ، الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ، أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ سَوَاءٌ فِي صَلَوَاتِنَا، فِي سُجُودِنَا، فِي رُكُوعِنَا، بَعْدَ صَلَاتِنَا، فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِنَا، نَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَنَقُولُ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا، فَنَقُولُ مُجِيبِينَ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر: 60)، فَهُوَ الَّذِي وَعَدَنَا بِالْإِجَابَةِ، أَمَرَنَا بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَنَا بِالْإِجَابَةِ، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } (النساء: 122)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } (غافر: 60). وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ } (النمل: 62). انْظُرْ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذِكْرِ الدُّعَاءِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ سَيُمَكِّنُ لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ فِي حَالَةِ الشَّدَائِدِ وَالضَّوَائِقِ، وَهَكَذَا فِي حَالَةِ الرَّخَاءِ، فَإِنَّكَ إِنْ تَعَرَّفْتَ إِلَى اللَّهِ فِي رَخَائِكَ عَرَفَكَ فِي حَالِ شِدَّتِكَ وَضِيقِكَ، وَذَلِكَ لَا تَسْتَهِنْ بِأَمْرِ الدُّعَاءِ، لَا تَسْتَهِنْ بِأَمْرِ الدُّعَاءِ. نَصَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَما رَفَعَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } (الأنفال: 9)، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى سَقَطَ الرِّدَاءُ مِنْ عَاتِقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ وَأَبُو بَكْرٍ يَلْتَزِمُهُ مِنْ وَرَائِهِ وَيَقُولُ: كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ.
انْظُرْ إِلَى مَا اسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَغْرَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا بِدَعْوَةٍ دَعَاهَا نُوحٌ: { أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } (القمر: 10)، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } (القمر: 11-13) الْآيَاتِ. أَتَهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزْدَرِيهِ، وَمَا تَدْرِي بِمَا صَنَعَ الدُّعَاءِ، سِهَامُ اللَّيْلِ لَا تُخْطِئُ وَلَكِنْ لَهَا أَمَدٌ وَلِلْأَمَدِ انْقِضَاءُ. ادْعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ وَعَدَ بِالنَّصْرِ وَالْإِجَابَةِ إِنْ نَحْنُ رَجَعْنَا إِلَيْهِ وَالْتَجَأْنَا إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلِّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَعْدَائِكَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ الْحُوثِيِّينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالرَّافِضَةِ الْحُوثِيِّينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَمَنْ تَعَاوَنَ مَعَهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَمَنْ تَمَالَأَ مَعَهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَمَنْ رَضِيَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَمَنْ دَافَعَ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَمَنْ أَحْسَنَ هُمَا يَحْصُلُ لَهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَكَ، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ، اللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ يَوْمًا أَسْوَدَ كَيَوْمِ عَادٍ وَثَمُودَ وَإِرَمَ، اللَّهُمَّ جَمِّدِ الدِّمَاءَ فِي عُرُوقِهِمْ، وَزَلْزِلِ اللَّهُمَّ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ، اللَّهُمَّ لَا تُحَقِّقْ لَهُمْ فِي بِلَادِنَا غَايَةً وَلَا تَرْفَعْ لَهُمْ فِيهَا رَايَةً، وَاجْعَلْهُمْ لِمَنْ خَلْفَهُمْ عِبْرَةً وَعِظَةً وَآيَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهُمْ وَمَا يَمْلِكُونَ غَنِيمَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهِمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَصُبَّ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّنَا سَوْطَ عَذَابٍ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، اللَّهُمَّ مَزِّقْهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، اللَّهُمَّ مَزِّقْهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَشَتِّتْ آرَاءَهُمْ وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ وَشَتِّتْ شَمْلَهُمْ، اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ الْمُرَابِطِينَ فِي سَبِيلِكَ عَلَى الثُّغُورِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ وَانْصُرْهُمْ بِنَصْرِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا دِفَاعًا عَنْ دِينِكَ وَمُقَدَّسَاتِكَ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ تَنْصُرَهُمْ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْهِمْ، وَانْصُرْهُمْ وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْهِمْ، وَامْكُرْ لَهُمْ وَلَا تَمْكُرْ عَلَيْهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، اللَّهُمَّ أَمِّنْ خَائِفَهُمْ وَأَشْبِعْ جَائِعَهُمْ وَاكْسُ عَارِيَهُمْ وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ وَعَافِ مُبْتَلَاهُمْ وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُمْ عِنْدَكَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَأَصْلِحْ نِيَّاتَهُمْ وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاشْدُدْ أَزْرَهُمْ، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ نَاصِرًا وَمَعِينًا، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَبِلَادَنَا بِخَيْرٍ فَأَعِنْهُ عَلَيْهِ وَوَفِّقْهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَرَادَنَا وَبِلَادَنَا بِسُوءٍ فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ وَاجْمَعْ قُلُوبَنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، اللَّهُمَّ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَانْزِعِ الْغِلَّ وَالْحِقْدَ مِنْ ذَاتِ مِنْ قُلُوبِنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّنَا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
